جحا رجل طيب القلب حاضر النكتة، تحكي عنه جدّاتنا وأجدادنا حكايات كثيرة تحمل حكمة رغم بساطتها. وهذه واحدة من أشهر حكاياته التي تعلّم الصغار أن إرضاء كل الناس أمر مستحيل، وأن الإنسان العاقل يفعل ما يراه صوابًا ولا يهتم بكلام كل من يعترضه.

في صباح مشمس، قرر جحا أن يذهب مع ابنه الصغير إلى السوق في القرية المجاورة ليبيعا بعض الخضروات. أخذا حمارهما الوديع، وربطا على ظهره سلال الخضار، ومشى جحا بجانب الحمار ممسكًا بزمامه، بينما ركب الابن على ظهره مستمتعًا بالرحلة.

لم يمشوا كثيرًا حتى مرّوا بجماعة من أهل القرية يجلسون تحت شجرة. نظر أحدهم إلى الولد الراكب وأبيه الماشي وقال بصوت عالٍ: عجبًا لهذا الولد، يركب مرتاحًا ويترك أباه الشيخ يمشي متعبًا في الحر! يا لقلة الأدب.

شعر الابن بالحرج، فنزل عن الحمار على الفور وأصرّ أن يركب أبوه بدلاً منه. صعد جحا على ظهر الحمار وسار الولد بجانبه ماشيًا. لكنهم ما إن ابتعدوا قليلاً حتى مرّوا بنساء يغسلن الثياب عند الساقية، فقالت إحداهن: يا للعجب، رجل قوي يركب ويترك ابنه الصغير يمشي على قدميه المتعبتين! لا رحمة في قلبه.

ففكّر جحا بهدوء، ثم دعا ابنه ليصعد خلفه، فركبا الحمار معًا وتابعا الطريق. وبعد قليل مرّا بمجموعة من الرجال عند البئر، فهزّوا رؤوسهم قائلين: مسكين هذا الحمار الصغير، يحمل رجلاً وولدًا معًا فوق ظهره النحيل! أهذه رحمة بالحيوان؟

نزل جحا وابنه فورًا، وقررا أن يمشيا الاثنان ويتركا الحمار يسير فارغًا مرتاحًا بينهما. وقبل أن يصلوا إلى السوق، مرّا بجماعة أخرى ضحكت منهما وقالت: يا للغرابة، رجل وابنه يمشيان في الشمس ويملكان حمارًا لا يركبانه! لا يُعقل هذا.

عندها توقف جحا، والتفت إلى ابنه بابتسامة هادئة وقال: يا بني، جرّبنا اليوم كل طريقة يمكن أن نركب بها هذا الحمار، ومع كل طريقة وجدنا من يعترض علينا. تعلّم من هذا أن رضا الناس جميعًا غاية لا تُدرك، فافعل ما تراه صوابًا بقلبك الطيب وعقلك الحكيم، ولا تدع كلام كل عابر يغيّر طريقك.

الدرس المستفاد: لا يمكن إرضاء كل الناس، فاستمع لرأيهم لكن اتّبع ما يمليه عليك عقلك وضميرك.