من أشهر شخصيات التراث العربي حاتم بن عبد الله الطائي، الذي عاش قبل الإسلام وذاع صيته في الجزيرة العربية كلها بسبب كرمه العجيب، حتى قال الناس: أكرم من حاتم، وما زال المثل يُردَّد إلى اليوم كلما أرادوا وصف إنسان كريم اليد طيب القلب.

يُروى أن حاتمًا كان يملك فرسًا أصيلة جميلة، سريعة كالريح، وكانت هذه الفرس أعز ما يملك، فهو يعتمد عليها في رحلاته وحمايته وسط الصحراء الواسعة. وكان بيته مفتوحًا دائمًا لكل عابر سبيل أو مسافر تائه، لا يسأل عن اسمه ولا قبيلته، بل يستقبله بابتسامة ويقدّم له الطعام والمبيت بلا مقابل.

في يوم من الأيام، طرق باب خيمة حاتم وفد من الغرباء بعد رحلة طويلة ومرهقة في الصحراء، وكانوا جائعين متعبين، وقد نفد زادهم منذ أيام. رحّب بهم حاتم كعادته، وأجلسهم في مجلسه، وأمر بإعداد الطعام لهم فورًا.

لكن حاتمًا فوجئ بأن مخزون طعامه في تلك الليلة كان قد نفد تمامًا، ولم يجد في خيمته ما يكفي لإطعام ضيوفه الكثيرين. فكّر قليلاً، ثم خرج بهدوء إلى حيث تربط فرسه الغالية، ونظر إليها بحب، ثم قرر أن يذبحها ليطعم ضيوفه، رغم أنها كانت أعز ما يملك في الدنيا.

أعدّ الطعام للضيوف وقدّمه لهم بابتسامة كريمة، دون أن يخبرهم بما فعل حتى لا يشعروا بالحرج. أكل الضيوف وشبعوا وباتوا في راحة تامة تلك الليلة، ولم يعرفوا سرّ الوليمة الشهية إلا في الصباح حين سألوا عن الفرس فلم يجدوها.

حين علم الضيوف بما فعله حاتم من أجلهم، ذُهلوا وشعروا بخجل كبير، وقالوا له: لقد ضحّيت بأغلى ما تملك من أجلنا ونحن غرباء لا تعرفنا! فابتسم حاتم وقال: الضيف أمانة، وكرامته أغلى عندي من أي شيء أملكه، ولو أعدت الأيام لفعلت الأمر نفسه.

ومنذ ذلك اليوم، سارت الركبان بأخبار حاتم الطائي في كل مكان، وأصبح اسمه رمزًا للكرم العربي الأصيل الذي يعلّمنا أن نعطي بسخاء دون انتظار مقابل، وأن نكرم كل ضيف يطرق بابنا مهما كانت الظروف.

الدرس المستفاد: الكرم الحقيقي هو أن تعطي ممّا تحب لا مما يفيض عنك، وأن تكرم ضيفك دون منّة ولا انتظار مقابل.